محمد هادي معرفة
184
شبهات وردود حول القرآن الكريم
فانطلق الكلبيّون فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه وعند من هو ، فخرج حارثة وأخوه كعب لفدائه فقدما مكّة فدخلا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقالا : يا ابن عبد المطّلب ، يا ابن هاشم ، يا ابن سيّد قومه ، جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه ! فقال : من هو ؟ قالا : زيد بن حارثة . فدعاه وخيّره فاختار البقاء في كنف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ورضيا بذلك . وكان صلّى اللّه عليه وآله قد عزم على تبنّيه ، فتبنّاه على ملأ من قريش ، فأصبح مولاه عن رضا نفسه . « 1 » فيا ترى هل من المعقول أنّ شريعة - كشريعة الإسلام الداعية إلى تحرّر الإنسانية - تقرّر من رقّيّة مثل زيد ، بهذا الشكل الفضيع المشجى الذي تمجّه النفوس الأبيّة فضلا عن العقول الحكيمة ! ؟ كلّا ، لا يقرّره أبدا ، ما عرفنا من الإسلام دين الفطرة ، دين الإنسانية المتحرّرة ، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم . « 2 » قالوا : وهنا يخطر السؤال الحائر على الأفكار والضمائر : إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلّها نحو تحرير الرقيق ، وسبق بها العالم كلّها متطوّعا غير مضطرّ ولا مضغوط عليه ، فلما ذا لم يخط الخطوة الحاسمة الباقية ؟ فيعلن في صراحة كاملة إلغاء الرّقّ من حيث المبدأ ، وبذلك يكون قد أسدى للبشريّة خدمة لا تقدّر ، ويكون هو النظام الأكمل الذي لا شبهة فيه ، والجدير حقّا بأن يصدر عن اللّه الذي كرّم بني آدم ، وفضّلهم على كثير ممّن خلق ؟ ! « 3 » قلت : ليس يخفى على ذوي اللّبّ أنّ الإسلام قد جفّف منابع الرّقّ كلّها - كما
--> ( 1 ) راجع : تمام القصّة في أسد الغابة لابن الأثير في ترجمة زيد ، ج 2 ، ص 224 - 225 . ( 2 ) من الآية ( 157 ) من سورة الأعراف . ( 3 ) سؤال طرحه سيد قطب وأجاب عليها بما جاء ملخّصا هنا . ( شبهات حول الإسلام ، ص 39 ) .